منتديات البيضاء العلمية منتديات البيضاء العلمية
آخر 10 مشاركات
الأمور التى لا ينبغى لطالب العلم أن يقع فيها..للشيخ عبدالله البخارى حفظه الله (الكاتـب : أم أيوب الليبية - )           »          [صوتى / مفرغ] كيف يعرف العبد أنه تاب توبةً نصوحاً؟ للشيخ عبدالله البخارى حفظه الله. (الكاتـب : أم أيوب الليبية - )           »          أمر خطير قد يقع فيه الزوج مع زوجته للعلامة الشيخ عبد العزبز آل الشيخ حفظه الله تعالى (الكاتـب : أبو بكر بن يوسف الشريف - آخر مشاركة : محمد المختار ألعزومي - )           »          الكتاب والسنة هما الضابط والحكم على أفعال الناس [ العلامة .. الفوزان ] (الكاتـب : محمد المختار ألعزومي - )           »          ضابط الانتساب للكتاب والسنة [ العلامة .. الفوزان ] (الكاتـب : محمد المختار ألعزومي - )           »          كثرة الفتاوى وتشعب الأمور على العامة [ العلامة .. الفوزان ] (الكاتـب : محمد المختار ألعزومي - )           »          من قال لا أعلم خوفا من الفتوى [ العلامة .. الفوزان ] (الكاتـب : محمد المختار ألعزومي - )           »          تخصيص أخر السنة بنصح وموعظةٍ أو دعاء [ العلامة .. الفوزان ] (الكاتـب : محمد المختار ألعزومي - )           »          العـذر بالجهـل بـين تـقريرات الأئمة ومـجازفات الحداديـة (الكاتـب : أبو أسامة عبد السلام الجزائري - )           »          تنبيه هام لمن يسبحون بعد الصلاة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى (الكاتـب : أبو بكر بن يوسف الشريف - آخر مشاركة : أبو صهيب الكوني الليبي - )


العودة   منتديات البيضاء العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > الـمـنـبــر الـــعــــام

لتشغيل الإذاعة إضغط على زر التشغيل

تحميل فلاش بلاير to من أجل تشغيل الإذاعة.

التسجيل في منتديات البيضاء العلمية مفتوح اليوم

إضغط هنا للتسجيل
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24-Dec-2010, 10:49 PM
أبو البراء محمود الليبي أبو البراء محمود الليبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 118
افتراضي الحيدة للكناني رحمه الله " مناظرة ماتعة عن فتنة خلق القرآن بحضور الخليفة "

الحيدة و الاعتذار
في الرد على من قال بخلق القرآن
لأبي الحسن عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز
أبن مسلم بن ميمون الكناني المكي الكناني
المتوفى سنة 240
والمردود عليه هو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة
أبي المريسي المعتزلـي المتوفــى سنة 218



بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ذكر ما جرى بين عبد العزيز بن يحيى رحمه الله وبين بشر المريسي: قرأت على أبي عمر أحمد بن خالد في ربيع الآخر عام اثنين وخمسين وثلاثمائة، حدثنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن عبد الله السماك قال فنا أبو بكر محمد بن الحسن بن أزهر بن حسين القطايعي، قال: حدثني أبو عبد الله العباس بن محمد بن فرقد، قال: حدثني أبي محمد بن فرقد بهذا الكتاب من أوله إلى آخره، قال: قال عبد العزيز بن مسلم الكناني[1]: اتصل بي وأنا بمكة ما قد أظهره بشر بن غياث المريسي ببغداد من القول بخلق القرآن، ودعاه الناس إلى موافقته على قوله ومذهبه وتشبيهه على أمير المؤمنين المأمون وعامة الناس وما قد دفع الناس إليه من المحنة، والأخذ في الدخول في هذا الفكر[2] والضلالة، ورهبة الناس وفزعهم من مناظرته، وإحجامهم عن الرد عليه بما يكسرون به قوله، ويدحضون به حجته ويبطلون به مذهبه، واستتار المؤمنين في بيوتهم وانقطاعهم عن الجمعات والجماعات، وهربهم من بلد إلى بلد، خوفا على أنفسهم وأديانهم، وكثرة موافقة الجهال والرعاع من الناس لبشر على مذهبه وكفره وضلالته، والدخول في بدعته، والانتحال لمذهبه، رغبة في الدنيا ورهبة من العقاب الذي كان يعاقب به من خالفه على مذهبه. قال عبد العزيز بن يحيى: فأزعجني ذلك وأقلقني واسهر ليلي وأطال غمي وهمي فخرجت من بلدي متوجها إلى ربي عز وجل أسأله سلامتي وتبليغي، حتى قدمت ببغداد فشاهدت من غلظ الأمر واحتداده أضعاف ما كان يصل إليه، ففزعت إلى ربي أدعوه وأتضرع إليه راغباً وراهباً، واضعا له خدي، وباسطاً إليه يدي، أسأله أرشادي وتسديدي، وتوفيقي ومعونتي، والأخذ بيدي وأن لا يسلمني ولا يكلني إلى نفسي، وأن يفتح لفهم كتابه قلبي، وأن يطلق لشرح بيانه لساني، وأخلصت لله عز وجل نيتي ووهبت له نفسي، فعجل تبارك وتعالى إجابتي، وثبت عزمي، وشجع وفتح لفهم كتابه قلبي، وأطلق به لساني، وشرح به صدري، فأبصرت رشدي بتوفيقه إياي، وأنست إلى معونته ونصره وتأييده ولم أسكن إلى مشاورة أحد من خلق الله في أمري، وجعلت أستر أمري وأخفي خبري عن الناس جمعيا "خوفا " من أن يشيع خبري، ويعلم بمكاني فاُقتل قبل أن يُسمع كلامي، فأجمع رأي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الخلائق والأشهاد، والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والرد عليهم وذكر كفرهم وتبيين ضلالتهم، وأن يكون ذلك في مسجد الجامع في يوم الجمعة، وأيقنت أنهم لا يحدثوا على حادثة، ولا يعجلون عليه بقتل وغيره من العقوبة بعد إشهار نفسي، والنداء بمخالفتهم على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي والاستماع مني ( وكان ذلك كله بتوفيق الله عز وجل لي، ومعونته إياي). قال عبد العزيز بن يحيى: وكان الناس في ذلك الزمان وذلك الوقت في أمرا عظيم، قد منع الفقهاء والمحدثون والمذكرون والداعون من القعود في الجامعين ببغداد وفي غيرهما من سائر المواضع، إلا بشر المريسي وابن الجهم، ومن كان موافقاً لهما على مذهبهما، فأنهم كانوا يقعدون يعني (الجهم بن صفوان الذي به تعرف الجهمية)[3] ويجتمع الناس إليهم فيعلمونهم الكفر والضلال وكل من أظهر مخالفتهم وذم مذهبهم، أو أتاهم بذلك أحضر، فإن وافقهم ودخل في كفرهم وأجابهم إلى ما يدعونه إليه وإلا قتلوه سراً، وحملوه من بلد إلى بلد، فكم من قتيلاً لم يُعلم به، وكم من مضروب قد ظهر أمره وكم ممن أجابهم واتبعهم على قولهم من العلماء خوفا على أنفسهم لما عرضوا على السيف والقتل أجابوا كرها، وفارقوا الحق عياناً، وهم يعلمون لما حذروا، من بأسهم والوقوع بهم. قال عبد العزيز: فلما كان في الجمعة التي اعتزمت فيها على إظهار نفسي، وإشهار قولي، واعتقالي، صليت الجمعة بالمسجد الجامع بالرصافه من الجانب الشرقي بحيال القبلة والمنبر بأول صف من صفوف العامة، فلما سلم الإمام من صلاة الجمعة، وثبت قائما على رجلي ليراني الناس ويسمعوا كلامي، ولا تخفى عليهم مقالتي، وناديت بأعلى صوتي لأبني، وكنت قد أقمت أبني بحيالي عند الأسطوانة الأخرى، فقلت له: يا أبني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. قال عبد العزيز: فلما سمع الناس كلامي، ومسألتي لأبني وجوابه إياه هربوا على وجوههم خارجين من المسجد إلا يسير من الناس خوفاً على أنفسهم، وذلك أنهم سمعوا ما لم يكونوا يسمعون، وظهر لهم ما كانوا يخفون ويكتمون، فلم يستتم أبني الجواب حتى أتاني أصحاب السلطان، واحتملوني وأبني فأوقفوني بين يدي عمرو بن مسعدة[4] وكان قد جاء ليصلي الجمعة، فلم نظر إلى وجهي، وكان قد سمع كلامي ومسألتي لأبني، وجواب أبني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن كلامي، فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت: لا. قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا. قال: أفمعتوه أنت؟ قلت: لا. أني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة والحمد الله كثيراً. قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا. فقال لأصحابه ورجالته: مروا بهما إلى منزلي. قال عبد العزيز: فحملنا على أيد الرجال حتى أخرجنا من المسجد ثم جعلوا يتعادون بنا سحباً شديداً وأيدينا في أيد الرجال يمنه ويسره، وسائر أصحابه خلفنا وقدامنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة على تلك الحال العنيفة الغليظة، فوقفنا على بابه حتى دخل، وأمر بنا فأدخلنا عليه وهو جالس في صحن داره على كرسي حديد، ووسادة عليه، فلما صرنا بين يديه، أقبل علي فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، فقال: ما حملك على ما فعلت بنفسك؟ قلت: طلب القربة إلى الله عز وجل وطلب الزلفة لديه. قال: فهلا فعلت ذلك سرا من غير نداء ولا إظهار لمخالفة أمير المؤمنين، أطال الله بقاه. ولكنك أردت الشهرة والرياء والتسوق لتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت من هذا شيئا، ولا أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ذلك. فقال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم. ولذلك قصدت وبلغت بنفسي ما ترى بعد خروجي من بلدي وتغريري بنفسي مع سلوكي البراري أنا وولدي، رجاء تأدية حق الله عز وجل فيما استودعني من الفهم والعلم وما أخذ علي وعلى العلماء من البيان. فقال: إن كنت إنما جعلت هذا سببا لغيره إذا وصلت إلى أمير المؤمنين فق حل دمك بمخالفتك أمير المؤمنين. فقلت له: إن تكلمت في شيء غير هذا، أو جعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمير المؤمنين. قال عبد العزيز: فوثب عمرو قائما على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي إلى أمير المؤمنين. قال: فأخرجت، وركب من الجانب الغربي وأنا بين يديه وولدي يعدي بنا على وجوهنا، وأيدينا في أيدي الرجال حتى صار إلى أمير المؤمنين من الجانب الشرقي، فدخل وأنا في الدهليز قائم على رجلي، فأطال عند أمير المؤمنين، ثم خرج فقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال لي: قد أخبرت أمير المؤمنين أطال الله بقاه بخبرك وما فعلت، وما قلت وما سألت من الجمع بينك وبين مخالفيك من المناظرة بين يديه، وقد أمر أطال الله بقاه، بإجابتك إلى ما سألت وجمع المناظرين عن هذه المقالة إلى مجلسة أعلاه الله في يوم الاثنين الأتي وتحضر معهم ليناظروا بين يديه أيده الله ويكون هو الحاكم بينكم. قال عبد العزيز: فأكثرت حمد الله على ذلك وشكرته وأظهرت الشكر والدعاء لأمير المؤمنين، فقال لي عمرو بن مسعدة: أعطنا كفيلا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين وليس بنا حاجة إلى حبسك. فقلت له: أعزك الله أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدا ولا يعرفني من أهله أحد، فمن أين لي من يكفلني، وخاصة مع إظهار مقالتي لو كان الخلق يعرفوني لتبرؤا مني، وهربوا من قربي وأنكروا معرفتي، قال: فنوكل بك من يكون معك حتى يحضك في ذلك اليوم، وتنصرف فتصلح من شأنك وتفكر في أمرك فلعلك أن ترجع عن غيك وتتوب من فعلك فيصفح أمير المؤمنين عن جرمك، فقلت ذلك إليك أعزك الله فأفعل ما رأيت. قال عبد العزيز: فوكل بي من يكون معي في منزلي وانصرفت. قال عبد العزيز: فلما كان يوم الاثنين، صليت الغداة في مسجدي الذي كان على باب منزلي، فلما فرغت من الصلاة إذ بخليفة عمرو بن مسعدة قد جاء ومعه خلق كثير من الفرسان والرجال فحملوني مكرما على دابة حتى صاروا بي على باب أمير المؤمنين فأوقفوني حتى جاء عمرو بن مسعدة فدخل فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول عليه فدخلت. فلما صرت بين يديه أجلسني ثم قال لي: أنت مقيم على ما كنت عليه، أو قد رجعت عنه، فقلت: بل مقيم على ما كنت وقد ازددت بتوفيق الله إياي بصيرة في أمري، فقال لي عمرو: أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم وبلغت الغآية في مكروهها وتعرضت لما لا قوام لك به، من مخالفة أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وادعيت ما لا يثبت لك به حجة على مخالفيك ولا لأحد غيرك، وليس وراءك بعد الحجة عليك إلا السيف، فأنظر نفسك وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة، فلا تنفعك الندامة، ولا تقبل لك معذرة، ولا تقال لك عثرة، فقد رحمتك وأشفقت عليك مما هو نازل بك، وأنا استقبل أمير المؤمنين أطال الله بقاه وأساله الصفح عن جرمك وعظيم ما كان منك، إن أظهرت الرجوع عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه أيده الله والجائزة، وإن كانت لك ظلامة أزلتها عنك، وإن كانت لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت بنفسك فيه، فقلت له: ما ندمت أعزك الله ولا رجعت، ولا خرجت عن بلدي، وغررت بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس رجاء أن يبلغني الله ما أؤمل من إقامة الحق فيه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل.


قال محمد بن الحسن[5] سمعت أبا عبدا لله[6] يقول: قال لي أبي[7] جاء عبد العزيز إلى أبي عبدا لله أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو في الحبس فقال: إن هذا الأمر الذي أنت فيه ليس تطيقه على دقته، فاذكرني فبعث إليه أبو عبد الله أنا قد وقعت، وأخاف أن أذكرك فأشيط بدمك، فيكون قتلك على يدي، فأقتل أنا أحب إلي، فانصرف بسلام. قال عبد العزيز: فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: قد حرصت في كلامك جهدي، وأنت حريص مجتهد في سفك دمك وقتل نفسك، فقلت له: معونة الله أعظم، والله عز وجل ألطف من أن يسلمني ويكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أطال الله بقاه أوسع من أن يقصر عني، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال عبد العزيز: وأمر بي فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون بي، وكان قد تقدم إلى سائر بني هاشم ممن يحضر مجلس أمير المؤمنين أطال الله بقاه، أن يركبوا ووجه إلى الفقهاء والقضاة والموافقين لهم على مذهبهم. وسائر المتكلمين، والمناظرين أن يحضروا دار أمير المؤمنين، فأمر القواد والأمراء أن يركبوا في السلاح كل ذلك ليرهبوني بهم. ومنع الناس من الانصراف إلى أن ينقضي المجلس، فلما اجتمع الناس وتأهبوا ولم يتخلف منهم أحد ممن يعرفون بالكلام والجدال، أذن لي في الدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى دهليز حتى صرت إلى الحاجب (صاحب) الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني أمر بي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي فقال لي: إن احتجت إلى أن تجدد طهرا فافعل، فقلت: لا حاجة لي بذلك، فقال: صل ركعتين قبل دخولك، فصليت أربع ركعات ودعوت الله وتضرعت إليه، فلما فرغت، أمر من كان بحجرته فخرج من الحجرة ثم تقدم إلي فقال لي وهو يسارني: يا هذا إن أمير المؤمنين بشر مثلك رجل من ولد آدم، وكذلك كل من يناظرك بحضرته فهو بشر مثلك، فلا تتهيبهم، واجمع فهمك وعقلك لمناظرتهم، وإياك والجزع، واعلم علما يقينا أنه إن ظهرت حجتك عليهم انكسروا وانقطع كلامهم عنك، وأذللتهم وغلبتهم ولم يقدروا على ضر ولا مكروه وصار أمير المؤمنين أطال الله بقاه وسائر الأولياء والرعية معك عليهم، وإن ظهرت حجتهم عليك أذلوك وقتلوك وأشهروك وجعلوك للخلق عبرة، فأجمع همتك ومعرفتك ولا تدع شيئا مما تحسنه وتحتاج إليه أن تتكلم به خوفا من أمير المؤمنين أو من أحد غيره وتوكل على الله واستخر الله ، وقم فادخل. فقلت له: جزاك الله خيرا فقد أديت النصيحة وسكنت الروعة وآنست الوحشة، وخرج، وخرجت معه إلى باب الصحن. قال عبد العزيز: فشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام يتعادون بي، وأيديهم في ظهري وعلى عنقي، فجعلت أسمع أمير المؤمنين وهو يقول: خلو عنه خلو عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والأولياء بمثل ذلك، فخلي عني وقد كاد عقلي أن يتغير من شدة الجزع وعظيم ما رأيت من ذلك الصحن من السلاح والرجال، وقد انبسطت الشمس عليهم، وملأ الصحن صفوفا، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت هناك فسمعته يقول: قربوه قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أتبينه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: أدن مني، فدنوت منه، ثم قال: أدن مني زاده تكرارا، وأنا أدنو منه خطوة خطوة، حتى صرت في الموضع الذي يجلس فيه المناظرون، ويسمع كلامهم، والحاجب معي يقدمني، فلما انتهيت إلى الموضع. قال لي المأمون: أجلس فجلست. قال عبد العزيز: فسمعت رجلا من جلسائه يقول وقد دخلت من الإيوان: يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، لا والله ما أريت خلق الله قط أقبح وجها منه، فسمعته يقول هذا وفهمت كلامه كله ورأيت شخصه على ما بي من الروعة والجزع والخوف، وجعل ينظر إلي وأنا ارتعد وانتفض، فأحب أن يؤنسني وأن يسكن عني ما قد لحقني وأن ينشطني، فجعل يكثر كلام جلسائه ويكلم خليفته عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج أن يتكلم بها يريد بذلك كله إيناسي، وجعل يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير طرفه فيه، فوقعت عينه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: يا عمرو أما ترى هذا الذي قد انتفخ من هذا النقش، وسيقع فبادره في يومنا هذا، فقال عمرو: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا. قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال لي: الاسم، فقلت: عبد العزيز. فقال لي: ابن من؟ فقلت: ابن يحيى قال: ابن من؟ قلت: ابن ميمون الكناني. قال: وأنت من كنانه. قلت: نعم، يا أمير المؤمنين، فتركني ولم يكلمني هنيهة، ثم أقبل علي فقال: من أين الرجل، قلت: من الحجاز، قال: من أي الحجاز، قلت: من مكة، قال: ومن تعرف من أهلها، قلت: يا أمير المؤمنين كل من بها من أهلها أعرفه إلا رجلا ضوى إليها وجاور بها من الغرباء فإني لا أعرفه، قال: فهل تعرف فلانا، هل تعرف فلانا حتى عد جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حق معرفتهم، فجعلت أقول: نعم أعرفه، وسألني عن أولادهم وأنسابهم فأخبره من غير حاجة به إلى شي من ذلك، ولا مما تقدم من مسألتي وإنما يريد به إيناسي وبسطي للكلام، وتسكين روعتي وجزعي، فقوى بها ظهري، واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمي، وعلا بها جدي، وانشرح بها صدري، وانطلق بها لساني، ورجوت بها النصر على عدوي. قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز إنه اتصل بي ما كان منك في قيامك في المسجد الجامع، وقولك إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبحضرة الخلق على رؤوس الأشهاد، ومسألتك بعد ذلك الجمع بينك وبين مناظريك على هذه المقالة بحضرتي وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعتك والمخالفين لك لتتناظروا بين يدي وأكون أنا الحكم فيما بينكم فإن تكن لك الحجة والحق معك تبعناك، وإن تكن لهم الحجة عليك والحق معهم عاقبناك. ثم أقبل المأمون على بشر المريسي فقال: يا بشر قم إلى عبد العزيز فناظره وأنصفه. قال عبد العزيز: فوثب إلي بشر من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى فريسته، فجاء فانحط علي، فوضع فخذه الأيسر على فخذي الأيمن، فكاد أن يحطمها، واعتمد علي بقوته كلها. فقلت له: مهلا فإن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به المأمون تنح عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني. قال عبد العزيز: ثم أقبل علي المأمون فقال: يا عبد العزيز ناظره على ما تريد واحتج عليه، ويحتج عليك، وسله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ألفاظكما، فإني مستمع إليكما ومتحفظ ألفاظكما. قال عبد العزيز: فقلت السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، ولكني أقول شيئا فإن رأى أمير المؤمنين أبقاه الله أن يأذن لي في ذلك فعلت. فقال: قل ما تريد. فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إني رجل عربي، وفي كلامي دقة، ولم يسمع أمير المؤمنين أطال الله بقاه من كلامي شيئا قبل هذا الوقت، فجليل كلامي في سمع أمير المؤمنين دقيق، وبشر يا أمير المؤمنين كثير سماع أمير المؤمنين دقيق كلامه، فصار في سمع أمير المؤمنين جليلا، فإن رأى أمير المؤمنين أطال الله بقاه أن يأذن لي فأقدم شيئا من كلامي في هذا المجلس ليقيس ما يدق بعده من كلامي على ما تقدم، ويعرف مذهبي في كلامي، ثم يجمعني ومن أحب لمناظرتي بعد هذا في أي وقت شاء. قال المأمون: أنا مشغول عن هذا بما يلزمني من أمر المسلمين، وإنما جمعتك ومخالفيك لما أظهرت من مخالفتك إياهم وذمك لمذهبهم، وادعائك الرد عليهم، ومسألتك الجمع (بينك) وبينهم ولست أجمعك وإياهم بعد هذا المجلس إلا عن مناظرة تجري بينك وبينهم فتحتاجون إلى عودة لاستمام ما بقي عليكما من المناظرة فأجمعكما لذلك. قال عبد العزيز: فقلت في نفسي، هذا الذي سألت الله عز وجل أن يبلغنيه وعاهدته لأن بلغنيه لأقومن بحقه ولأذبن عن دينه بما يلهمني بتوفيقه صابرا محتسبا وإن عرضت على السيف والقتل حتى إذا بلغني الله ما أملته وأعطاني ما سألته، وأيدني بالمعونة، وكفاني المؤونة وعطف قلوب عباده علي، وصرف عني ما كنت أحاذر من سوء بادرة تكون قبل قيامي بحق الله تعالى، أأنقض عهده، وأخلف وعده، وأكفر نعمه، فيسخط علي ويخذلني ويكلني إلى نفسي، والله والله لا فعلت ولو تلفت نفسي. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين إني لم أتهيب المناظرة ولم أعجز عنها، وإنما أحببت أن أقدم في هذا المجلس شيئا من كلامي ليقف من بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاه ومن في مجلسه على معنى كلامي ودقته فلا يخفى عليهم بعض ما يجري بيننا. قال: فقال أمير المؤمنين المأمون لبشر: ناظر صاحبك على ما تريد. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك إن رأيت أن تأذن لي أن أتكلم بشي قد شغل قلبي قبل مناظرتي لبشر. فقال لي: تكلم بما شئت فقد أذنت لك. فقلت: أسألك بالله يا أمير المؤمنين من بلغك إنه كان أجمل ولد آدم r. فأطرق مليا، ثم رفع رأسه فقال: يوسف عليه السلام. فقلت: صدقت يا أمير المؤمنين- فوالله ما أعطي يوسف على حسن وجهه بعرتين، ولقد سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته بالشاهد الذي أنطقه الله عز ول بتصديقه وبيان قوله وبعد إقرار امرأة العزيز إنها هي راودته عن نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه، قال الله تعالى : {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُحَتَّى حِينٍ}[8] فدل بقوله عز وجل أنه سجن بغير ذنب لعله حسن وجهه وليغيبوه عنها وعن غيرها، فطال في السجن جبسه حتى إذا عبر الرؤيا ووقف الملك على علمه ومعرفته اشتاق إليه، ورغب في صحبته فقال عز وجل: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُلِنَفْسِي}[9] فكان هذا القول من الملك عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته قبل أني يسمع كلامه، فلما دخل عليه وسمع كلامه وحسن عبارته صيره على خافي خزائن الأرض، وفوض إليه الأمور كلها وتبرأ منها وصار كأنه من تحت يده، فكان هذا الذي بلغه يوسف عليه السلام بكلامه وعلمه لا بجماله، قال عز وجل: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌقَالَاجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}[10] ولم يقل أني حسن جميل، قال الله عز وجل: { وَكَذَلِكَمَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}[11] فوالله يا أمير المؤمنين ما أبالي إن وجهي أقبح مما هو، وإني أحسن من الفهم والعلم أكثر مما أحسن. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون وأي شي أردت بهذا القول، وما الذي دعاك إلى ذكر هذا؟ فقلت سمعت بعض من هاهنا يقول لأمير المؤمنين: يكفيك من كلامه قبح وجهه، فما يضرني قبح وجهي مع ما رزقني الله عز وجل من فهم كتابه، والعلم بسنة نبيه r فتبسم المأمون حتى وضع يده على فيه، ثم قلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاه فقد رأيتك تنظر إلى هذا النفش وانتفاخ الجص وتذكره، وسمعت عمرا يعيب ذلك ويدعو إلى صانعه، ولا يعيب الجص، ولا يدعو عليه، فقال المأمون: العيب لا يقع على الشيء المصنوع، وإنما يقع العيب على الصانع. قال: قلت: صدقت يا أمير المؤمنين، ولكن هذا يعيب ربي لم خلقني قبيحا فازداد تبسما حتى ظهرت (ثناياه). قال عبد العزيز: فأقبل علي المأمون وقال: يا عبد العزيز: ناظر صاحبك فقد طال المجلس بغير مناظرة، فقلت: أمير المؤمنين أطال الله بقاك، كل متناظرين على غير أصل يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شي من الفروع، فهما كالسائر على غير الطريق، لا يعرف الحجة فيتبعها ويسلكها وهو لا يعرف الموضع الذي يريد فيقصده، ولا يدري من أين جاء فيرجع يطلب الطريق فهو على ضلال أبدا. ولكننا نؤصل بيننا أصلا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: نعم ما قلت، فاذكر الأصل الذي تريد أن يكون بينكما، ويذكر أيضا هو مثله حتى تتفقا على الأصل فتؤصلاه بينكما. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، أو أصل بيني وبينه ما أمرنا الله به واختاره لنا وأدبنا به وعلمنا ودلنا عليه عند التنازع والاختلاف، ولم يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى اختيارنا. فقال المأمون: وذلك موجود عن الله عز وجل. قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[12]. وهذا تعليم الله عز وجل وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين وهو خير وأحسن ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعت أنا وبشر يا أمير المؤمنين فنحن نؤصل بيننا كتاب الله عز وجل وسنه نبيه r كما أمرنا فإن اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى كتاب الله عز وجل، فإن وجدناه فيه وإلا رددناه إلى سنة نبيه r فإن وجدناه فيها وإلا ضربنا به الحائط ولم نلتفت إليه. فقال بشر: وأين أمرنا الله أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه r قلت: كأنك لم تسمع ما جرى وما ابتدأت به، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْاللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِيالأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[13] قال بشر: فإنما أمر الله أن يرد إليه وإلى الرسول، ولم يأمرنا أن نرده إلى كتابه العزيز وإلى سنة نبيه عليه السلام. قال عبد العزيز: هذا مالا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون، وقد روى هذا بهذا اللفظ عن ابن عباس[14] وعن جماعة من الأئمة[15] الذين أخذ العلم عنهم رحمة الله عليهم. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون: فافعلا وأصلا بينكما يا عبد العزيز أصلا واتفقا عليه وأنا الشاهد بينكما إن شاء الله تعالى. قال عبد العزيز: فقلت يا أمير المؤمنين: إنه من الحد في كتاب الله عز وجل جاحدا أو زائدا لم يناظر بالتأويل، ولا بالتفسير، ولا بالحديث. فقال المأمون: وبأي شي تناظره، قلت: بنص التنزيل كما قال عز وجل لنبيهr : {كَذَلِكَأَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌلِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِقُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}[16] وقال تعالى: {قُلْتَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْعَلَيْكُمْ}[17] وقال حين أدعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[18] وقال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِيلِنَفْسِهِ}[19]. فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل، وإنما يكون التأويل لمن أقر بالتنزيل، وإما من الحد في التنزيل فكيف يناظر بتأويله. فقال لي المأمون: ويخالفك في التنزيل، قلت: نعم ليخالفني، أو ليدع قوله ومذهبه ويوافقني. قال عبد العزيز: ثم أقبلت على بشر فقلت: يا بشر ما حجتك أن القرآن مخلوق، وانظر إلى أحد سهم في كنانتك فارمني به، ولا تحتاج إلى معاودتي بغيره. فقال: تقول القرآن شيء أم غير شيء، فإن قلت إنه شيء أقررت إنه مخلوق إذ كانت الأشياء مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت إنه ليس بشيء فقد كفرت لأنك تزعم أنه حجة الله على خلقه وإن حجة الله ليس بشيء. قال عبد العزيز: فقلت لبشر ما رأيت أعجب من هذا تسألني وتجيب نفسك عني وتكفرني ولم تسمع كلامي ولا قولي فإن كنت سألت لأجيبنك، فاسمع مني فأني أحسن أن أجيب عن نفسي واحتج عن مقالتي ومذهبي، وأن كنت إنما تريد أن تخطئني وتتكلم لتدهشني وتنسيني حجتي فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة وفهما، وما أحسبك إلا وقد تعلمت شيئا أو سمعت قائلا يقول هذه المقالة التي قلتها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على آخرها. قال عبد العزيز: فأقبل المأمون ( على بشر) فقال: صدق عبد العزيز، اسمع منه جوابه ورد عليه بعد ذلك بما شئت من الكلام، ثم قال لي: تكلم يا عبد العزيز وأجب عما سألك عنه. قال عبد العزيز: سألت عن القرآن أهو شيء أم غير شيء، فإن كنت تريد هو شيء إثباتا للوجود ونفيا للعدم[20] فهو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا. فقال بشر: ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولا بد من جواب يفهم ويعقل أنه شيء يعقل أو غير شيء. قال عبد العزيز: صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول ولقد وصفت نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله عز وجل في كتابه من قال مثل ما قلت: أو كان بمثل ما وصفت به نفسك، فقال الله عز وجل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُالَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْوَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}[21] وقال عز وجل لنبيهr: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُالصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[22] وقال عز وجل: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَبِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّاأَضَاءتْ مَا حَوْلَهُذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّبُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}[23]. ومثل هذا في القرآن كثيرا جدا، ولقد امتدح الله عز وجل في كتابه أقواما بحسن الاستماع وأثنى عليهم أحسن الثناء فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُأُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[24] وقال عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَالدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}[25] وقال عز وجل: {وَقَالُواْ سَمِعْنَاوَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[26] وقال عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّاحَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}[27] ومثل هذا في القرآن كثير، فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، ولا ما اختاره الجن لأنفسهم. قال عبد العزيز: قال المأمون: دع هذا يا عبد العزيز وارجع إلى ما كنت فيه، وبين ما كنت فيه، واشرحه، واحتج لنفسك، فقلت: يا أمير المؤمنين: إن الله عز وجل أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته فلم يتسم بالشيء ولم يجعل الشيء أسمائه ولكنه دل على نفسه أنه شيء وأكبر الأشياء إثباتا للوجود ونفيا للعدم[28]، وتكذيباً منه للزنادقة، والدهرية، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم فقال عز وجل لنبيهr: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةًُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ}[29] فدل على نفسه أنه شيء ليس الأشياء، وأنزل في ذلك خبرا خاصا مفردا لعلمه السابق أن جهما وبشرا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه ويشبهون على خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأسماء المخلوقة، قال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[30] فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر تكذيبا لمن الحد في كتابه، وافترى عليه، وشبهه بخلقه، قال عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌيَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَاسَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}[31] ثم عدد أسماءه في كتابه ولم يتسم بالشيء ولم يجعله أسما من أسمائه، ثم قال النبيr: (إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)[32] ثم عدها فلم نجده جعل الشيء اسما لله عز وجل، ثم ذكر جل ذكره كلامه نفسه ودل عليه بمثل ما دل على نفسه ليعلم الخلق أنه من ذاته وأنه صفة من صفاته، فقال الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍقُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ}[33] فذم الله اليهودي حين نفى أن تكون التوراة شيئا، وذلك أن رجلا من المسلمين ناظر رجلا من اليهود بالمدينة، فجعل المسلم يحتج على اليهودي من التوراة بما علم من صفة النبيr وذكر نبوته فيها حتى أثبت نبوته r من التوراة فضحك اليهودي وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله عز وجل تكذيبه، وذم قوله، وأعظم فريته حين جحد أن يكون كلام الله شيئا، ودل بذلك على أن كلامه شيء ليس كالأشياء، كما دل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء ثم قال في موضع أخر: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَىاللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ}[34] فدل بهذا الخبر أيضا على أن الوحي شي بالمعنى، وذم من جحد أن كلام الله شيء فلما أظهر الله عز وجل اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء المخلوقة، ولكنه أظهره عز وجل باسم الكتاب والنور والهدى ولم يقل قل من أنزل الشيء الذي جاء به موسى، فيجعل الشيء اسما لكلامه، وكذلك سمى كلامه بأسماء ظاهرة يعرف بها، فسمى كلامه نورا وهدى، وشفاء، ورحمة، وحقا، وقرآنا، وأشباه ذلك لعلمه السابق في جهم وبشر ومن يقول بقولهما إنهم سيلحدون في أسمائه وصفاته التي هي من ذاته وسيدخلونها في الأشياء المخلوقة. فقال بشر: يا أمير المؤمنين قد اقر عبد العزيز إنه شيء، وإنه لا كالأشياء فليأت بنص التنزيل كما أخذ علي وعلى نفسه، أنه ليس كالأشياء، وإلا فقد بطل ما ادعاه وصح قولي إنه مخلوق، إذ كنا قد أجمعنا واتفقنا إنه شيء، وقلت أنا هو شيء كالأشياء وداخل في الأشياء، وقال هو ليس هو شيء كالأشياء ولا داخل في الأشياء، فليأت بنص التنزيل على ما ادعاه، وإلا فقد ثبتت الحجة عليه بخلقه إذ كان الله عز وجل قد أخبرنا بنص التنزيل أنه خالق كل شيء. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز، وجعل محمد بن الجهم وغيره يصيحون (يقولون) ظهر أمر الله وهم كارهون، جاء الحق وزهق الباطل وطمعوا في قتلي، وجثا بشر على ركبتيه وجعل يقول: أقر والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، فأمسكت فلم أتكلم حتى قال لي المأمون: مالك لا تتكلم يا عبدالعزيز فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، قد تكلم بشر وطالبني بنص التنزيل على ما قلت وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء أي شيء هو وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل كما طالبني ولست أتكلم في هذا المجلس ويتكلم فيه غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره في مكانه، فصاح المأمون بمحمد بن الجهم وغيره فأمسكوا. قال عبد العزيز: فقال لي المأمون تكلم يا عبد العزيز فليس يعارضك أحد غير بشــر.





إن وجد خطأ الرجاء التصحيح

وإليكم الكتاب الذي نقلته أيضا وليس من رفعي ولا من تصويري بصيغة pdf

للتحميل


وكل الذي أكتبه منقول

يتبع إن شاء الله

التعديل الأخير تم بواسطة أبو البراء محمود الليبي ; 24-Dec-2010 الساعة 11:14 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24-Dec-2010, 10:55 PM
أبو البراء محمود الليبي أبو البراء محمود الليبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 118
افتراضي رد: الحيدة للكناني رحمه الله " مناظرة ماتعة عن فتنة خلق القرآن بحضور الخليفة "

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 24-Dec-2010, 11:15 PM
أبو البراء محمود الليبي أبو البراء محمود الليبي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 118
افتراضي رد: الحيدة للكناني رحمه الله " مناظرة ماتعة عن فتنة خلق القرآن بحضور الخليفة "

يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ما الفرق بين قول الأشعرية: "القرآن عبارة عن كلام الله" وقول الكلابية: "القرآن حكاية.. أبو عبد الرحمن مهدي التطاويني الـمـنـبــر الـــعــــام 0 09-Jun-2014 10:47 AM
"حكم قراءة القرآن في مكبرات الصوت قبل الجمعة.." للعلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن بازـ رحمه الله ـ. أبو عبد الرحمان ياسين الأرهاطي الـمـنـبــر الـــعــــام 0 23-Aug-2012 08:01 PM
مناظرة ماتعة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله- وفيها الرد على من ينكر اسم السلفية أبو عبد الرحمن أسامة الجزائري الـمـنـبــر الـــعــــام 2 11-Dec-2011 12:45 PM


الساعة الآن 01:28 AM.